عام

دين ودنـيا

التراث الإسلامي وإشكالية الاستبداد / د.عبد الله النفيسي

التراث الإسلامي وإشكالية الاستبداد / د.عبد الله النفيسي

لا بد من تحديد موقف الإسلام من (الدولة)، ومن (المسألة السياسية)، في عمومها، باعتبار أن الإسلام يمثل المصدر الأكبر لتراثنا الفكري والثقافي، وإن لم يمثل بالضرورة المصدر الأول للعديد من أوضاعنا الاجتماعية، ونظمنا السياسية، وبالمثل يمكن توظيف مادة التراث ورؤاه في المعركة مع الاستبداد، وتحقيق المشاركة الشعبية، فإقامة الدولة جزء من مهمات الإسلام، وتنظيم السلطان فيها جزء من شريعته.

لقد اشتمل القرآن على تشريعات عديدة؛ سواء في موضوع الحكم، أم حدود الطاعة والشورى، أم صفات أولي الأمر، أم الزكاة، أم الحدود، أم العبادات، وطالبنا بتنفيذها على الصعيدين الفردي والجماعي، بما يتطلب – بالضرورة– تسليم القيادة لسلطة شرعية، وذلك لتنظيم الجهد الفردي والجماعي لتنفيذ الشريعة على صعيد الواقع.

وما كاد الرسول (صلى الله عليه وسلم) أن يستقر في المدينة، وما كاد العام الأول للهجرة ينتهي، حتى وضع دستورا مؤقتًا لتنظيم الحياة العامة هنالك، ويدل هذا الدستور على مقدرة فائقة، من الناحية التشريعية والسياسية، وعلى علم بأحوال الناس، وفهم لظروفهم، وقد عُرف هذا الدستور بالصحيفة، أو دستور المدينة.

أما أطراف هذه الصحيفة فثلاثة، هم: المهاجرون، والأنصار، ويهود المدينة؛ وغني عن البيان أننا لا نستطيع- كمتخصصين في عام السياسة الوضعية– أن نجد غير هذه الدولة  الإسلامية في التاريخ، لقد قامت منذ أول أمرها على أساس دستور مكتوب؛ مما يدلل على رسوخ التصور السياسي لدى منشئيها، وعلى رأسهم المصطفى (عليه الصلاة والسلام).

لقد حددت هذه المسؤولية الشخصية، والبعد عن الثارات القبلية، ووجوب الخضوع للسلطة الجديدة، المتمثلة في الرسول (صلى الله عليه وسلم)، وأجهزته، واعتبرت الذين يسكنون المدينة أمه واحدة من دون الناس، وحددت الموقف من شئون الحرب والسلم، وأن حرب الأفراد وسلمهم يدخل ضمن اختصاصات الدولة الجديدة، وقيادتها المركزية، ولقد نادت هذه الصحيفة – التي وضعها الرسول (صلى الله عليه وسلم)– بضرورة إقرار النظام، والأخذ على يد الظالم، والخارج على النظام، وعدم نصر المحدث أو إيوائه.

حددت الصحيفة علاقة هذه الدولة الجديدة بقطاع اليهود؛ الذين لا يؤمنون بدعوتها، وأسست هذه الصحيفة فى الجزيرة العربية – ولأول مرة في تاريخ الجزيرة- سلطة مركزية ترجع إليها الأمة، وإذا لم يكن هذا من قبيل ممارسة الحكم فما هو الحكم إذن؟!.

غير أنه ينبغي أن نوضح نقطة التبست على الكثيربن، تتعلق بمصدر الشرعية للسلطة في الإسلام، والذي يرتكن على قاعدتين:-
أولهما: تنفيذ أحكام الشريعة.
وثانيهما: رضا عموم الناس وغالبيتهم عن القيادة.

فالأمر الأول يقتضي من السلطة السياسية تنفيذ أحكام الشريعة، وإعطاءها صفة الإلزام؛ لأن الدولة في الإسلام هي في الأساس وسيلة لتنفيذ أحكام الشريعة في حياة الجماعة؛ التي تدخل في نطاق سيادة الدولة الإسلامية، وتشتمل على كثير من الأحكام المتعلقة بالمعاملات بين الناس؛ مثل التجارة والبيوع وأحكام الأسرة والعبادات وغيرها.

كل هذه الأحكام لا بد أن تتحول إلى حركة اجتماعية، يتحرك ضمنها المجتمع، وفق إطاراتها الشرعية، والسلطة السياسية الإسلامية مكلفة بإقامة كل هذه الأحكام، وتنفيذها، وحراسة هذه الحركة الاجتماعية الشرعية وتنميتها.
المصدر: صناعة الفكر

خدمات الصفحة

تعليقات القراء