عام

فكر وثقافة

أنيس منصور حينما نعى نفسه إلى القراء!

أنيس منصور حينما نعى نفسه إلى القراء!

مات ممسكا بالقلم كما تمنى :

 " لا أحد يخرج من الدنيا بشيء .. وكل الناس بعد أن تموت لا شيء" بهذه الكلمات نعى الكاتب الكبير أنيس منصور نفسه إلى القراء، حيث كان ذلك آخر ما كتبه في عموده اليومي "مواقف" في صحيفة الأهرام قبل مرضه وانتقاله إلى المستشفى، ووصف الحياة بأنها مجرد "كوبرى" يعبر عليه الإنسان إلي الناحية الأخرى والطريق طويل.

يصف منصور نفسه في كتابه قائلاً: "لم يكن لي طموح في أي وقت ولا أعرف كيف انتقلت من حالة إلى حالة فأنا كالذي يقف على سلم متحرك، فكما للعصافير أجنحة لكي تطير، وللأسماك خياشيم لكي تغوص، فأنا لي عينان لكي اقرأ، وأكتب فعالمي محدود شرقاً بالكتاب وغرباً بالكتاب وجنوباً بدائرة معارف وشمالاً بمعارض الكتب..هذه هي دنياي ورق في ورق".

وعن بداياته الأدبية يقول: "أول ما كتبت لم يكن مقالاً إنما قصة بعنوان "سوزي" قصة حب حقيقي من جانب واحد بلا مقابل، وهو حب بائس".

 

حياة حافلة  :

يقول أنيس في كتابه "عاشوا في حياتي" عن قراءاته : " حفظت القرآن الكريم كنت في السابعة من عمري، وأنا لا أعرف معنى كلمة واحدة مما أقول، وانتقلت من القرآن الكريم إلى قصائد المتصوفين وإلى مدائح الرسول فحفظت "البردة" للبوصيري وقرأت مئات الروايات المترجمة في سلسلة "كتاب الجيب" ولم أقرأ رواية عربية واحدة ولا عرفت أن هناك روايات عربية.

وعرفت تولستوي ودستويفسكي وبروست وشيللي وبيراندللو ودكنز وبلزاك، قبل أن أعرف أسماء الأدباء المصريين. وكنت في الثانية عشرة من عمري.

وعندما كنت طالباً في الجامعة وكانت قوات الإنجليز في مصر أثناء الحرب العالمية الثانية، اشتريت عربة عليها مئات من الكتب الصغيرة الحجم التي كانوا يطبعونها للقوات البريطانية في مصر..وكانت هذه العربة تباع بمئة قرش كل الحضارة الغربية بهذا المبلغ التافه!  ".

 

وعن السفر والقراءة يقول: "أمارس سباحة المسافات الطويلة والغوص في أعماق الكتب، أصعب الكتب وأطولها وأعقدها في ثماني لغات..أنزل البحر ولا أخاف الغرق، وعلمني حب السفر متعة التنقل ولذة التغيير وجمال الحركة فأنا على سفر دائم وأتغرب في بلاد غريبة لا انتهت دهشتي ولا أحسست بأني قريب لأحد أو من أحد وإنما غريب في كل مكان وزمان".

 

ذكريات عصيبة :

يقول الكاتب الراحل في كتابه: "عندما كبرت ودرست علم النفس أصبحت هوايتي أن أعود إلى طفولتي ما كان وما لم يكن، رأيت من الضروري أن أعود إلى الماضي البعيد لكي أراني طفلاً صغيراً، ووجدتني أذاكر ولا أعرف لماذا أقبلت على الدراسة والقراءة بهذه الصورة الشرهة، لم يقل لي أحد أفعل ذلك دائماً وجدتني مدفوعاُ إلى القراءة وإلى المذاكرة رغم أنه لا متعة ولا مكافأة أتلقاها".

ويحكي عن صدماته حين تفوق ولم يجد من يهنأه قائلاً: عندما قرأت في صحيفة "الوفد المصري" أن ترتيبي الأول في الابتدائية سارعت إلى البيت وجدت الباب مفتوحاً دخلت وجدت أمي تنزف دماً فهمت منها أن استحضر طبيباً، وفي الثانوية العامة حين كنت الأول ذهبت إلى البيت فوجدت خالي مات، وفي الليسانس حين حصلت على الترتيب الأول أبلغت والده الخبر فحمد الله ومات، ويوم عينت رئيساً لتحرير مجلة "آخر ساعة" توفيت والدتي، فكنت أتلقى برقيات التعازي والتهاني معاً إنها عملية حسابية أخذ من هنا وخصم من هناك!.

 

أخشى الماء!

يحكي الراحل عن مخاوفه منها الخوف من الماء، لأنه في الصغر توهم أثناء سباحته في النيل مع أصدقائه أن ابن خالته غرق، ومن يومها لم ينزل للبحر رغم تجواله بأشهر شواطئ العالم، ورغم محاولة كبار السباحين تعليمه السباحة.

كذلك يقول أنه لم يحب الشوكولاتة ولم يتذوقها إلا قليلاً وفي سن متأخرة ويتذكر سبب عزوفه عنها أنه حين كان تلميذاً في الثالثة الابتدائية كان يدرس تاريخ الشعوب يومها قال المدرس أن الأحباش ليسوا سوداً ولكنهم في لون الكاكاو وحينها تساءل الراحل عن معنى الكاكاو والشوكولاتة فلم يكن يعرفهما، وضحك عليه زملاؤه، فيقول: ظللت طول عمري لا أشرب الكاكاو ولا أذوق الشوكولاتة وإن فعلت الآن فقليل جدا!.

وعن ذلك يقول: عندما أصبحت قادراً على الفهم لم أجدني قادراً على أن أتخلص نهائياً من المخاوف القديمة مثل رفض وضع الترمومتر في فمي لأنه تهشم قبل ذلك، أو استسلامي للعصا التي يضعها الطبيب لاكتشاف مرض التهاب الحلق، وغيرها من المخاوف الأخرى.

 

عداء المرأة :

من أغرب كتابات منصور ما قاله عن رأيه بالزواج واعتبره عادة اجتماعية وأن الناس يحرصون على الزواج السريع ليندموا بعد ذلك على مهل، ويحكي عن زيارته لأحد زملائه المتزوجين حديثاً وحين استطلع رأي زميله في الزواج أجابه "مقلب".  

يواصل الأديب الساخر: وجدتني عدواً للمرأة ووجدتني أمسك سلاحاً سرياً أحاول أن أملأه بالاحتقار لها، ويتبنى منصور رأي شوبنهور الذي يصف المرأة بأنها طويلة الشعر طويلة اللسان ضيقة الكتفين ضيقة الأفق، ويقول كذلك: لم أعرف للمرأة صديقاً، أكثر أعدائها بنات جنسها، المرأة فاضلة لأنها لم تعط فرصة لتكون شريرة!.  

أحب الراحل زوجته كثيراً، وهو دليل على أن عدائه للمرأة لم يكن مبدئاً، وعنها يقول في كتابه: "يجتمع في زوجتي الذكاء والحنان النار التي تدفئ والنور الذي يضئ، والإنسان لا يكون أعزب متشدداً لسنوات طويلة وإنما فقط عندما يبلغ السن التي يراها مناسبة للزواج ويكون ذلك عادة بعد الثلاثين، ولا توجد سن مناسبة محددة للزواج فكل حسب ظروفه النفسية والاجتماعية وقد تزوجت في الثامنة والثلاثين، ولابد أن تكون الصفات الجميلة لزوجتي هي التي نقلتني من أعزب متشدد إلى متزوج أكثر تشدداً أي الجمال والذكاء والتشجيع والصبر على المكاره التي هي انشغالي الكبير واستغراقي في القراءة والكتابة".

يواصل: وهذه الزوجة رغم أنها صاحبة فضل كبير تكتفي بأن تعيش في الظل قمراً يعكس ضوء الشمس الذي هو الكاتب.

 

العقل العربي :

في نهاية كتابه وضع الراحل عدة أسئلة وأجاب عنها، منها أمنياته للعرب حيث أجاب: أريد أن ينبت للعقل العربي عقل، قائلاً أن كل عناصر القوة أصبحت أسباب الضعف للعرب فنحن نتكلم لغة واحدة ولنا دين واحد وتاريخ واحد وجغرافية واحدة، وليس بيننا إلا كلام في كلام، ولذلك يصدق علينا ما قاله كاتب سعودي ساخر هو الأستاذ القسيمي أن العرب ظاهرة صوتية!، ووصف السياسة بأنها فن السفالة الأنيقة.

وفي الختام نردد ما تمناه أنيس منصور لنفسه حين سئل عن قضيته التي تشغله فقال: "ليست عندي إلا هذه الرغبة القوية في أن ألمس بأصابعي هذا الكون..وأن أقيس لسماء بالشبر..وأن أحتضن الأبدية..وأن أعتصر النور في قلمي سهولة ووضوحاً وجمالاً ومتعة..وأن أكون قادراً على ذلك حتى الموت!".

 

كتب سميرة سليمان

خدمات الصفحة

تعليقات القراء