عام

آراء وكتابات

حوثيات الله ؟! .. بقلم/رضية المتوكل

حوثيات الله ؟! .. بقلم/رضية المتوكل

لم يكن يوم السبت 19 سبتمبر 2015م ، هو اليوم الأول الذي التقي فيه بحوثيات الله وهن في مهمة الانقضاض على اعتصام سلمي ، فقد تم إرسالهن من قبل إلى الاعتصام النسائي الذي حدث أمام قسم الجديري ( بصنعاء) في 9 أغسطس 2015م إثر اختطاف جماعة الحوثي لثلاثة قياديات في حزب الإصلاح ، حينها كن ينظرن إلي بذات العيون الحمر التي تحمل غلاً كبيراً كما تحدث عنها الكاتب محمود ياسين ، وصرخن في وجهي بأني قتلت والدي وبعت دمه ولا أستحق النسب ( حميت النسب فيش) ، لكن ذلك لم يكن مهماً حينها لأني بالأساس لم أكن محور تواجدهن بل أولئك النساء المعتصمات ، وكنت مذهولة من هذه الجماعة التي تعمل من خلال استخدام النساء على تحويل اعتصام ضحية في مواجهة سلطة منتهكة إلى مجتمع في مواجهة مجتمع ، نساء في مواجهة نساء ، فئة في مواجهة ضحايا ، كان ذلك مرعباً في شكله آنذاك مرعباً ايضاً حين التفكير في تداعياته.


يوم السبت خرجنا استجابة لدعوة أسرة القيادي الإصلاحي محمد قحطان ، وهو المختفي قسرياً لدى جماعة الحوثي لمدة خمسة أشهر حتى الآن ، حيث أعلنت الأسرة أنها سوف تعتصم أمام مبنى جهاز الأمن السياسي للمطالبة بالإفراج عنه ، وقررت مجموعة مصغرة من الناشطين من ضمنهم من تم اعتقالهم لاحقاً - عبد الرشيد الفقيه ، محمود ياسين ، علي البخيتي ، ماجد المذحجي ، بسام الورافي- مواصلة الاعتصام بالقرب من الأمن السياسي والتفاوض مع قيادة جماعة الحوثي حتى تتمكن الأسرة على الأقل من الاطمئنان عليه والتواصل معه ، وافترضنا خيراً خاصة أن عدد من قيادات الجماعة كانت تتواصل وتناقش. وبينما نحن معتصمون أقبلت علينا حوثيات الله ، نساء يلبسن اللباس العادي السائد ( عباية ونقاب) ، وكانت أعين بعضهن حمراء. 


حاولن في البداية تقديم أنفسهن باعتبارهن مواطنات مررن بالصدفة بمحاذاة اعتصام شرير سيهدم الوطن فتوقفن طوعاً لحماية هذا الوطن ، رغم أنهن كن يعرفن جيداً أنني رضية المتوكل ووجهن خطابهن نحوي وحدي دوناً عن بقية الزملاء " هيا قومي .. قومي من هانا ، ما بتفعلي بين الرجال ، تعالي نشتي نتكلم معش ، الله المستعان ما عنفعل بش شي ".

 

لم يكن الأمر مقلقاً بالنسبة لي في البداية فقد ظننت أن الشتم ( والبهررة ) هي أقصى ما تكلف به حوثيات الله في الاعتصامات. لكن الزملاء استشعروا خطراً ما فتقدم علي البخيتي ومحمود ياسين خطوة ليكونوا حاجزاً بيني وبينهن بينما كان عبد الرشيد - زميلي في منظمة مواطنة لحقوق الإنسان وزوجي- بجانبي ، حاولت كبيرتهن في البداية استمالة علي البخيتي من خلال إظهار الاحترام والتقدير - وهو ناشط سياسي كان يمثل جماعة الحوثي في مؤتمر الحوار الوطني ثم بدأ مؤخراً ينتقد انتهاكاتهم - قالت له أنها تتابعه وتحترمه ، ثم حين بدأن بالتصعيد التدريجي زادت حدة لهجتهن وقالت له إحداهن "أنت مننا لكن ضحكوا عليك اصحاب ( صفر أربعة )" في اِشارة لأرقام السيارات بحسب التوزيع المناطقي في اليمن ، ويشير رقم 04 إلى تعز.


زادت حدة الموقف حين وصل الغداء فاقتحمن الصف وبدأن برمي الموجودين بالأواني والطعام وكل شيء يجدنه بين يديهن ، كان عددهن حوالي 15 امرأة ، حاولت لحظتها أن ألفت نظرهن أن احداً من رجال الأمن لم يفعل شيئاً حتى تلك اللحظة ، قلت لهن لا تسمحن لهم أن يلعبوا هذا الدور البائس بأيديكن انتن ، أنا حقاً اشفق عليكن ، فردت احداهن أنها تشفق علي لأني أجلس بين الرجال في إشارة إلى العار الأخلاقي ، كررن هذه الجملة كثيراً وبأكثر من طريقة فكانت المرة الأولى منذ تزوجت عبد الرشيد التي يمسك فيها يدي ويصرخ " هذه زوجتي ولا علاقة لكن بها " كنوع من الحماية الاجتماعية في إطار عمل عام. لم يسبق أن اضطررنا لذلك من قبل. 


وفي عز هذه الدوشة جاءت أكبرهن وامسكت بيدي وقالت لي فيما يشبه الهمس " عيب عليك وأنت ابنة المتوكل أن تتغنجي بعيونك " كدت اتركها وانشغل بالملحمة التي تحدث من حولي ولكني توقفت وسألتها " كيف يعني اغنج بعيوني؟ " حركت عيونها بطريقة غريبة وهي تهمس " الكحل والدلع والروج " وكررت كلاماً في سياق العار الأخلاقي الذي يصيب (بنت الناس ) .


كاميرا وحيدة كان يسمح لها بتصوير كل ذلك ، وهي كاميرا قناة المسيرة يقف خلفها شاب صغير يضحك مستهزأً ، وكن هن محلقات حولنا كالذباب ، اعتداء وشتم وتخوين والحديث معنا باعتبارنا نؤيد ضرب السعودية لليمن بحسب ما تم تعبئتهن ، وكنت أحاول أن أهدأ من روع الطفل الصغير غاندي ابن علي البخيتي دون فائدة ، كان يبكي بحرقة من خوفه على أبيه ويمسك بيده جزمته الصغيرة ويحاول أن يهش حوثيات الله من حوله ، كنت أقول لهن "أفزعتن الولد الصغير"، فترد "إحداهن وماذا عن الاطفال الذين قتلوا" ، وكأن غاندي الصغير هو من قتلهم. 


كان جنونهن يتصاعد بتدرج وكأنما يحركهن أحد بالريموت كنترول ، أخذني عبد الرشيد من يدي وحاول هو ومحمود ياسين أن يخرجوني من بينهن ويتلقوا ضرباتهن بدلاً عني ، كان العنف قد وصل ذروته حينها ، حاولت أن اسرع خطواتي من أجل عبد الرشيد لكني كنت أعرف انه لم يعد هناك من أمل في الفكاك من قبضتهن ولا ضربهن ، كان الشارع طويلاً وتحت تصرفهم ، الرجال من الخلف يعطون الأوامر ويساندونهن كلما تطلب الأمر ذلك ، بينما هن محلقات ككلاب مسعورة حولنا ، والمصيبة أنه حتى الطفولة لم تسلم من الاستخدام السيء فقد كان معهن طفل صغير يشاركهن الضرب والشتائم ، وأثناء محاولتي التمسك بيد عبد الرشيد والإفلات منهن اوقعني شدهن لي على ظهري ، حينها لم أراهن ، رأيت فقط وجه عبد الرشيد ، كان وجع كثيف قد تجمع فيه، قمت سريعاً من أجله هو ، وواصلنا محاولة الإفلات منهن فصرخ أحد الذكور المتفرجون من الخلف ( اعتقلوها ) ، حينها زادت قوة الشد من ناحيتهن ، وقامت إحداهن بشد حجاب رأسي مع سبق الإصرار والترصد ، أمسكته من الطرف وشدته حتى نزل إلى منتصف شعري ، في تلك اللحظة لم أعد أرى سوى وجهي عبد الرشيد ومحمود ياسين وهم يبذلون آخر محاولة لإزاحتهن عني، كانا يفعلان ذلك مع حرص شديد بأن لا يلمسا أي واحدة منهن ، لن أنسى وجهيهما في تلك اللحظة أبداً ، شيء له علاقة بالأخلاق النبيلة وقلة الحيلة وذروة الألم ، فشلت محاولتهم وتمكن حوثيات الله مني ، وأخذنني بعيداً عنهم ، ساعتها لم التفت ليس فقط لأنهن على استعداد تام لكسر رأسي لكني لأني لم أكن احتمل رؤية وجه عبد الرشيد ، اعلم أن قلبه كان قد انفطر لحظتها ، ولم يكن يهمني تواجدي بينهن وهن يمسكن بي من كل ناحية ويشتمنني بكل ما أعطاهن الله من قدرة على الشتم بقدر ما همني هو ، هذه اللحظة الإنسانية قد تُفرح الشامتين لكن أنا لا تهمني الشماتة فهي سمة لمن لا وزن لهم في حياتي ، يهمني فقط أن نتحصن دوماً بإنسانيتنا حتى ونحن نواجه اللحظات القاسية في حياتنا. أن نرفض الظلم وننحت بشاعته في ذاكرتنا ولا نقبل به بحجة أن هذا طريق قد اخترناه وعلينا أن نتحمل ، فالظلم الذي نرفض أن يقع على غيرنا لن نتعامل مع وقوعه على أنفسنا وكأنه بديهية يجب أن نتقبلها، فتلك فكرة غير إنسانية. 


أصبحت بين أيديهن الآن ، يشتمنني ويدفعن بي إلى حيث لا أعلم ، طلبت منهن التوقف لحظة لإعادة غطاء رأسي ، فهزأ اغلبهن من الطلب وكأنني مجرد سافلة تريد أن تتعفف في الوقت الخطأ ، وتبرعت إحداهن بالموافقة على طلبي مع تنبيهي كم أن الحوثيين طيبين وسمحوا لي بتغطية شعري. دفعن بي إلى إحدى سياراتهم ودخلن بجانبي ، كان سائق السيارة مراهق من جماعة الحوثي يرتدي الزي الرسمي ، ويبذل أقصى جهده ليكون سافلاً في شتمه وتهديداته التي كان أحدها أنه سوف يأخذني إلى جبل عطان. كانت الفتاة التي بجانبي تضم قبضتها وترتعش ، وفي تلك اللحظة رأيتهم يضعون عبد الرشيد وماجد ومحمود وبسام في إحدى سياراتهم وبينما أنا اخفض رأسي لرؤيتهم قالت لي ارجع إلى الخلف ولوحت بقبضتها في وجهي وقالت " وإلا ضربت في وجهك وأخرجت الدم من أنفك " ، كانت غاضبة إلى درجة تجعل تهديدها ممكناً ، فبقيت صامته ، أخرج السائق المراهق خرقة سوداء من درج في السيارة ورمى به إليها وقال لها " لو قلت أدبها اعصبي عينيها " ، فأخذتها وقالت "سوف أعصب عينيها حتى لو كانت مؤدبة " وقامت بعصب عيني ، وحينها لم يعد ظاهراً سوى سيل السباب والشتائم والتخوين من داخل السيارة ومن خارج السيارة لنساء محلقات حولها وطفل يصرخ " يا بنت الكلب " ، فتهمس له إحداهن لا .. أبوها لا. 


من خلال شتم حوثيو وحوثيات الله لي سواء في الفيس بوك أو خارجه ، يحاولون التعامل معي باعتباري خائنة مارقة عن العائلة الأكبر ( الهاشمية) ، وكذلك العائلة الأصغر وخاصة والدي رحمه الله ، الدكتور محمد عبد الملك المتوكل ، و الذي يتحدثون عنه وكأنه ملكهم ويقف في صفهم وفي صف انتهاكاتهم وحتى في صف ضربهم لابنته، يحاولون تكريس هذه الفكرة بأقصى ما يستطيعون ، ولمن لا يعرف من هو د. محمد عبد الملك المتوكل فالشرح يطول كثيراً ، ولكنه رجل مدني أبعد ما يكون عن عصابة عائلية. تم اغتياله في 2 نوفمبر 2014م ومنذ ذلك الحين والحوثيون يحاولون بلا فائدة محاولة إثبات ملكيتهم له. لهذا فكل شتائمهم لي يجب أن تمر عبر ( قتلتي أباك ، بعت دمه ، خنت أصلك ) ، وكل ما له علاقة بالتعصب العائلي. وكأننا نلعب في حديقة منزل خلفية ، ولا نقوم بعمل عام له علاقة بالوطن. 


حالة الغضب والشتم والغل التي كانت ظاهرة على النساء من حولنا لم تكن وليدة لحظة ، بل هي نتيجة تحريض منظم ظلت جماعة الحوثي تصعده باتجاه كل من ينتقد انتهاكاتها ، فتحشد اتباعها ضده ضمن جملة من الأكاذيب ابرزها هذه الفترة أنهم مع ضربات السعودية ومع قتل الناس الأبرياء. وهذه كذبة لا تقل سخافة عن كذبة " الراجع " الذي شن الحوثيون من خلالها ضدي حملة عنيفة وصلت إلى كل بيت أعرفه.


بقيت في السيارة اسمعهم خلالها يتفاوضون أين يجب أخذي ، ومع كثافة الشتم من حولي والذي ركزت فيه أكثر بعد أن أصبحت معصوبة العينيين ، حاولت مقاومته بنصف ابتسامة ، فسمعتهن يتهامسن خارج السيارة " عاد هي تبتسم ؟" ، فأدخلت كبيرتهن التي عرفتها من صوتها يدها من النافذة وخطت بإصبعها على وجهي في حركة معروفة لدى أهل صنعاء تشبه كلمة ( يا قليلة الأدب ). 


أطلق سراحي أولاً بعد حوالي الساعة ونصف ، ثم اطلق سراح عبد الرشيد الفقيه ، وماجد المذحجي ، ومحمود ياسين ، وبسام الورافي ) في منتصف الليل بعد ضغوط كبيرة على جماعة الحوثي ، وقد كان تم اعتقالهم في إحدى إدارات الأمن. 


بعدها عرفت أن حوثيات الله كان قد تم إرسالهن أيضاً إلى الاعتصام الذي تم تنفيذه قبل فترة في جامعة صنعاء من قبل أكاديميين للمطالبة بالإفراج عن زميل لهم معتقل ومختفى قسرياً لدى جماعة الحوثي منذ أشهر. هذه الطريقة في مواجهة العمل السلمي هو اختراع خاص بالحوثيين لم يسبقه إليهم أحد من السلطات المتعاقبة في اليمن . وهم بغبائهم لا يعرفون أن لهم خطورة اجتماعية كبيرة ، وأنه يوسع دائرة الانتقام ضمن دورات العنف المتعاقبة. 


أنا أرفض ذلك الخطاب الذي يتحدث عن الدنيا الدائرة في سياق أنه سيأتي اليوم الذي يتم فيه الانتقام من جماعة الحوثي باعتبارهم فئة ، ناهيك عن رفض فكرة الانتقام من أساسه ، وسنبقى على موقفنا ندافع عن أي فئة تتعرض للظلم حتى لو كانت جماعة الحوثي ، تحقيق العدل يجب أن يمر عبر أدوات قانونية وليس ردود أفعال همجية لا تختلف عن بعضها. 


ولتلك الحوثية التي قفزت إلى داخل السيارة وكانت تسألني بصدق كيف يمكن أن أكون مع ضربات السعودية وكنت على وشك النقاش معها قبل أن يقمن بدفعها خارج السيارة ، لها هي بالذات أقول : أنا يا عزيزتي لا يمكن أن أكون مع الجرائم التي يرتكبها التحالف بقيادة السعودية ، أنا لست معها ونحن نعمل ضدها بكل ما أوتينا من قدرة ، لكن جماعة الحوثي التي تنتمين إليها ودفعت بك وزميلاتك لضربي وشتمي تريد أن تضع كل من يختلف معها وينتقد انتهاكاتها في هذا القالب . هي تكذب ، تكذب حين تقول أن أولئك المعتصمين هم مع العدوان السعودي ، تكذب عليكن لتحرضكن ضدنا ، لأنها لا تريد أن يكون هناك أحد ضد جرائمها هي فتعمد إلى تشويه أي قوة أخلاقية تقف ضد جرائم كل الأطراف. 


عزيزتي التي قلتي لي اسمك وكنت صادقة في سؤالك ، لا أعرف إن كان كلامي هذا سوف يصلك ، لكن يجب أن تعرفي أنه في الوقت الذي تذهب فيه جماعة الحوثي لتصوير جثث ضحايا ضربات السعودية وترحل ، نحن نذهب لنوثق هذه الجرائم توثيق دقيق ، ونزور العائلات ، ونتحدث مع شهود ، ولو تابعتي ستعرفين الحقيقة التي كنت ستجدينها مني بصدق. 


ويجب أن تعرفي أن المطالبة بالإفراج عن مختفي قسرياً ليست جريمة ولا خيانة ولا تهدد الأمن العام ، وأننا أثناء حرب صعدة قد وقفنا كثيراً في وجه علي عبد الله صالح واعتصمنا للمطالبة بالإفراج عن المختفين قسرياً على خلفية الحرب ، وكان هو عزيزتي بالأمس يستخدم نفس لغة الحوثيين اليوم عن خطورة أولئك المعتقلين والمختفين قسرياً ، ويتحدث عن الحرب والطوارئ ، ولكننا مع هذا لم نصمت ولم نستسلم له وبقينا مع عائلاتهم نطالب بتطبيق الإجراءات القانونية في الحجز والمحاكمة ، أو الإفراج عنهم 
جماعتك تكذب لأنها تريد أن تقدم نفسها بأنها هي الشعب وهي الحق وهي الوطن ، وكل من يقف في وجه انتهاكاتها المهولة على امتداد هذا الوطن هو خائن عميل ، لكن هذه ليست الحقيقة عزيزتي .. هل تسمعيني ؟

 

خدمات الصفحة

تعليقات القراء