عام

آراء وكتابات

حقائق للتاريخ عن مفاوضات موفمبيك ... بقلم/علي البخيتي

حقائق للتاريخ عن مفاوضات موفمبيك ... بقلم/علي البخيتي

(يحتوي المقال أدنى هذا بعض من تفاصيل مفاوضات موفمبيك السرية التي لم تنشر من قبل، واللحظات الحاسمة قبل العاصفة).

"انبطح الإصلاح واليدومي في الموفمبيك"، هذه الجملة كتبتها في أكثر من مقال لي، نُشرت في صحيفة الأولى وصفحتي على الفيس بوك أثناء حوار الموفمبيك قبل انفجار الأوضاع وتدخل التحالف الذي تقوده السعودية.

وقتها كنت أعارض المرونة التي أبداها رئيس الهيئة العليا للتجمع اليمني للإصلاح محمد اليدومي أمام الحوثيين، بعد اعلانهم الدستوري، وكنت أطالب المشترك بالنزول الى الشارع، لأن توازن القوة العسكري مختل مع الحوثيين، ويجب أن يكون هناك على الأقل توازن سياسي في الشارع ليضمن تطبيق أي اتفاق، لعلمي أن الحوثيين وفي ضل ميزان القوى وقتها لن يقبلوا الا بشراكة صورية فقط.

الإصلاح واليدومي على وجه التحديد كان له معطيات أخرى تبرر تلك التنازلات التي قدمها، والتي بلغت حد قبوله أن يحكم الحوثيون اليمن بشراكة ولو صورية أو محدودة مع الأطراف الأخرى، لأنه كان يستشعر أو يدرك أن هناك سيناريو مرعب قد يؤدي الى انهيار البلد، وحُكم الحوثيين لليمن أولى لديه من هذا السيناريو، ومن ثم سيتم حل الاشكال معهم عبر السياسة والوسائل السلمية.

***

وفي الوقائع وبحسب ما نقل لي ثقات حضروا جلسات الموفمبيك وجلسات أخرى خاصة فإن أنصار الله طلبوا حضور محمد اليدومي بنفسه الى جلسات موفمبيك، وبالفعل حضر اليدومي، ولا أزال أتذكر "شاله" الموضوع على كتفه وثوبه الأبيض وشعره الأشيب وهو يحاور ويفاوض وبهمة عالية شباب من الحوثيين في العشرينات من عمرهم.

وحتى لا أغرق القارئ في التفاصيل فإن الخلاصة أن اليدومي وفي اللحظات الحاسمة اقترح أن يُشكل مجلس رئاسي وحكومة وحدة وطنية، ومن ثم تتولى الحكومة مناقشة بقية التفاصيل، ومنها انسحاب الحوثيين من المدن وتطبيق مخرجات الحوار بعد صياغة الآليات التي تنظم عملية الانسحاب وتنفيذ وثيقة الحور، وكان رد الحوثيين على مقترح اليدومي أنهم موافقون عليه لكنهم لا يثقون في محمد قحطان الممثل الدائم للإصلاح في حوار موفمبيك.

عندها قال اليدومي: البلد سينهار يا أولادي –هكذا كان يخاطب الحوثيين- ولا وقت لأن نقوم بمناورة، ولكي تطمئنوا فلنكتب ذلك في ورقة الآن ونوقع عليه وندعو الى مؤتمر صحفي غداً نعلن فيه أننا اتفقنا على تشكيل مجلس رئاسي وحكومة وحدة وطنية، ولنترك التفاصيل لما بعد ذلك الإعلان.

***

كان اليدومي مدركاً لحساسية اللحظة أكثر منا، بحكم خبرته الطويلة، ويظهر أن هناك الكثير من الضغوط التي كانت تمارس عليه وعلى حزب الإصلاح من جهات إقليمية لجر البلد الى سيناريوهات أخرى، لذلك كان يدفع وبقوة الى اعلان الخطوط العريضة للاتفاق ليفرمل الكارثة، عبر اعلان الجميع أنه تم الاتفاق، وهذا سيغير المعادلة كلياً ويجعل الكثير من الأطراف المحلية والإقليمية والدولية تعيد حساباتها.

جمال بن عمر دفع الحوثيين الى رافض ذلك الاقتراح، وكان يحثهم على أن لا يوقعوا الا على اتفاق شامل ومفصل، البعض يتهمه بأن هدفه افشال الوصول الى اتفاق وفقاً لمقترح اليدومي لأنه لم يشارك في صياغته، والبعض الآخر قال إنه كان يريد انجاز اتفاق شامل خشية الاختلاف على التفاصيل بعد التوقيع، إضافة الى أن هادي قال في حينه أن حزب الإصلاح خانه بعرضه ذلك الاقتراح، فيما كان اليدومي يقول أن اللحظات حاسمة ولا وقت للبحث في التفاصيل، ويجب المسارعة بإعلان الخطوط العريضة للاتفاق ليتم فرملة السيناريوهات الأخرى، وبعدها تُبحث التفاصيل، ووصل اليدومي الى ان قال لممثل المؤتمر الشعبي في حوار موفمبيك عندما طالب بإلغاء الإعلان الدستوري للحوثيين ولجنتهم الثورية والعودة لمجلس النواب كشرط على المضي في ذلك الاتفاق: لا وقت لدينا، لنتفق على اعلان دستوري مكمل للإعلان الذي أصدره الحوثيين.

***

ماطل الحوثيون في الموافقة على اقتراح اليدومي، مدفوعين بنصائح بن عمر، وبمخاوفهم الناتجة عن شيطنة كل ما يُطرح من الإصلاح واليدومي على اعتباره فخاً لهم، وبالأخص عندما يكون ظاهره إيجابي، فيما كان يقول اليدومي: البلد بلا حكومة وبلا رئيس، فلنعمل على المحافظة على ما تبقى من الدولة قبل انهيار البلد، وإذا رفض بن عمر الاتفاق سنطلب دعم الاتحاد الأوربي له أو الجامعة العربية، وفي النهاية سيعترف الجميع به مُجبرين إذا توافقنا كيمنيين عليه.

وفي إحدى الجلسات الخاصة بحضور عارف الزوكا وأبو بكر القربي قال اليدومي للحوثيين: "هناك من يريد أن نتقاتل يا اولادي"، ونعلن معكم حرب شاملة في كل مكان، وأضاف: لقد حدث في معركة عمران ما حدث، ويعرفه الجميع، وعرفنا أننا أخطأنا في حقكم، كما أخطأتم أنتم في حقنا كذلك، ودفعتني تلك المعركة ونتائجها الى مراجعة أفكاري السابقة التي كانت ترفض وجودكم كشركاء في السلطة، وأيقنت منذ تلك اللحظة أنه لن تحكم اليمن الا بالشراكة بين جميع أبنائه، لكننا مارسنا التحريض على بعضنا، ونحتاج وتحتاجون أنتم كذلك الى سنتين على الأقل لنقنع افرادنا وقواعدنا الشعبية بإعادة تفكيرنا في بعض، بعد التعبئة الخاطئة التي رسخناها في عقولهم لسنوات طويلة.

***

وفي جلسة أخرى قال اليدومي للحوثيين: نحن قابلون أن تحكمونا، فقد حكمنا المؤتمر لعقود، وقبلنا بذلك، وسنقبل بكم، لكن قلوا لنا كيف ستحكموننا؟، فلم نعد ندري ما الذي تريدون؟ ولا كيف تنوون حكمنا؟ ووفقاً لأي مشروعية؟ وهل ستحكموننا وفقاً للقانون؟ أم وفقاً للأهواء والمزاج والارتجالية والعشوائية كما لمسنا ذلك من لحظة دخولكم صنعاء وسيطرتكم على السلطة؟، ليس بيننا وبينكم مشكلة، عدى نظرتنا المختلفة للحكم، أنتم ترونه حق إلهي محصور في أسرة، ونحن نراه حق للشعب يمنحه من يشاء وفقاً لانتخابات حرة.

في أثناء تلك الحوارات والمفاوضات كان الحوثيون محتلين مقرات حزب الإصلاح وبعض جمعياته، ويسيطرون على الكثير من منازل قادته، ومؤسساتهم التعليمية وشركاتهم الخاصة، إضافة الى أنهم ومع المرونة التي أبداها اليدومي قاموا بمحاصرة منزلة بأكثر من عشرين طقم مسلح بعضها بأسلحة متوسطة ومضادة للدروع، كما قاموا باعتقال قحطان وهو ممثل الإصلاح في تلك الحوارات.

في تلك الأثناء كنت أنا كذلك اهاجم حزب الإصلاح واليدومي بقوة، وأفسر تنازلاتهم بالانبطاح، غير مدرك لمعطياتهم الخاصة، والضغوط التي كانت تُمارس عليهم لسلوك طريق آخر غير مهادنة الحوثيين، وحاول اليدومي والإصلاح تفادي ذلك الطريق، لكن الحوثيون أجبروهم على المضي فيه بتعنتهم وممارساتهم القمعية بحق الإصلاح قيادةً وقواعد، حيث تصرف الحوثيون كالمنتصر في احدى الفتوحات الإسلامية، واستباحوا حزب الإصلاح وكواده كمهزومين وممتلكات الحزب وبعض قادته والمحسوبين عليه كغنائم.

***

أنا اتحدث حصراً عن تلك المرحلة، وأعتذر لحزب الإصلاح والأستاذ محمد اليدومي عن هجومي العنيف عليهم في حينه، لعدم ادراكي بعض المعطيات التي كانت لديهم، والتي أثبت هذه الأيام صحتها، وأختلف مع الإصلاح واليدومي في سياستهم التي كانت متبعة قبل ذلك والتي اعترف اليدومي نفسه بخطأ الكثير منها، وكان شجاعاً في اعترافاته تلك، كما أني أختلف مع سياسة الإصلاح واليدومي كذلك منذ انطلاق العاصفة، وان كنت مقتنع بأن الحوثيون هم من دفعهم الى الارتماء في أحضان الرياض، لكن لا أجد مبرر لكل سياساتهم الحالية، حيث تجاوز التحالف سعيه المعلن لإسقاط سلطة الحوثيين الانقلابية الى اسقاط الدولة اليمنية، والى الآن الإصلاح واليدومي صامتين، مع أنهم أكثر من حذر من الانهيار الكلي للدولة في اليمن ومخاطرها على المجتمع ووحدة البلد، وعلى دول الجوار كذلك بما فيها السعودية، فما هو سر هذا الصمت؟، وهل هناك أمور لا نعرف عنها ستكشف الأيام فحواها؟.

الشجاعة والحرص على البلد التي تحلى بها اليدومي في الموفمبيك نحتاجها اليوم، الشجاعة والحرص التي تحلى بها صالح عندما سلم السلطة عقب الاستفتاء على هادي في 21 فبراير 2012م نحتاجها اليوم، الشجاعة والحرص الذي تحلى به عبدالملك الحوثي أثناء وبعد مؤتمر الحوار بعد اغتيال عناصر قياديه في الحركة والمماطلة في تطبيق مخرجات الحور نحتاجها اليوم.

هؤلاء الثلاثة معنيون اليوم أكثر من غيرهم بإخراج اليمن من أزمته، بحكم أنهم الأكثر فاعلية على الأرض، وهم معنيون بأن يكونوا مثلث الخير ومحوره، أو مثلث الشر ومحوره.

خدمات الصفحة

تعليقات القراء