عام

فكر وثقافة

إردوغان يفوز.. ولا يتأهل !

إردوغان يفوز.. ولا يتأهل !

اسلام اولاين - نورالدين قلالة:

لا أحد يشك في أن نتائج الانتخابات الأخيرة في تركيا تعد أكبر هزيمة سياسية لحزب العدالة والتنمية و للرئيس رجب طيب إردوغان منذ حوالي 13 سنة، فقد فاز بالانتخابات لكنه خرج منها خاسرا، لأنه سيكون عاجزا عن المضي في تغيير النظام السياسي، فهو كمن فاز في مباراة إياب لكرة القدم لكنه لم يتأهل للنهائي بسبب فارق الأهداف،فهو فوز بطعم الخسارة، وقد بات أمامه الآن ثلاث خيارات: إما التفرد بحكومة أقلية أو الدخول في تحالفات أو إجراء انتخابات مبكرة.

فماذا يعني ذلك بالنسبة لمستقبل تركيا ومستقبل سياسة إردوغان الذي جعل من هذا البلد “نموذجا” يحتذى به في العالم الإسلامي، بفضل الانتعاش الاجتماعي والاقتصادي والإصلاح الديمقراطي على مدى السنوات الماضية؟. فلا أحد ينكر أن إردوغان وحزب العدالة والتنمية تمكن من تحقيق أطول فترة ازدهار اقتصادي في تاريخ تركيا، حيث أصبحت الاستثمارات الأجنبية أضعاف ما كانت عليه وبلغ مجموعها منذ سنة 2002 أكثر من 400 مليار دولار – وهذا أكثر بكثير مما جرى استثماره في الستين سنة السابقة، إضافة إلى ذلك، نما دخل الفرد وبلغ حوالي اثني 12 ألف دولار أمريكي ليكون بذلك قد تضاعف ثلاث مرات عما كان من قبل- كما حقق إنجازات على صعيد البنية التحتية، والتقليل من نسبة البطالة وحجم التضخم المالي واعتماد التأمين الصحي، ووقف في وجه القضاء والجيش وانتصر في معارك اجتماعية عديدة كمعركة الحجاب مثلا.. لكن مع ذلك كله لم يصوت الأتراك في انتخابات 2015 لحزب إردوغان بالصورة التي كان يرجوها. فحزب العدالة والتنمية اعتاد على الفوز الكاسح في كل المعارك السياسية التي خاضها ، فقد فاز منذ سنة 2002 بثلاثة انتخابات برلمانية وانتخابين رئاسيين وثلاثة انتخابات محلّية واستفتاءٍ على الدستور. إذًا كيف يمكن تفسير فوز إردوغان في الانتخابات بالخسارة السياسية؟ وماذا يمكن أن تتوقع تركيا بعد هذه المرحلة؟

ثمة عوامل تبدو حاسمة في فشل إردوغان في بلوغ هدفه المنشود من وراء هذه الانتخابات ألا وهو توسيع صلاحياته وبناء نظام رئاسي قوي يمكنه من استكمال خططه في جعل تركيا قوة دولية وإقليمية عظمى. ولعل أهم هذه العوامل الاتهامات بالفساد التي طالت إردوغان وعائلته وآخرها القصر ذي الألف غرفة، وتعامله السلطوي مع المحتجين وانتقاده اللاذع وتهكمه بالمعارضة ورموزها وفرض القيود على حريتي التعبير والصحافة.

طائر نُتف ريشه ولا يزال قادرا على الطيران

من خلال هذا التحليل البسيط لأسباب فشل إردوغان – وليس العدالة والتنمية- في بلوغ أهدافه، يبدو أن احتمالات الاضطراب السياسي قد أطلت برأسها على تركيا لأسابيع مقبلة بعد أن فقد حزب العدالة والتنمية الحاكم أغلبيته البرلمانية في الانتخابات التي وجهت ضربة لطموحات إردوغان للفوز بصلاحيات جديدة كاسحة تتيح له تغيير الدستور وإقامة نظام رئاسي على غرار النظام الأمريكي. فبدا الرجل كطائر نتفت الانتخابات ريشه لكنه لا يزال قادرا على الطيران. ولكن رغم النكسة التي مني بها إردوغان وحزبه، الرجل لم ينته مثلما تروج له وسائل الإعلام الغربية بنبرة تحمل الكثير من التشفي. فأمام إردوغان خيارات عديدة وهو شخصية قوية يتمكن في كل مرة من الخروج من المأزق بسهولة. لكن نتيجة هذه الانتخابات من المحتمل أن تدفع حزب العدالة والتنمية وهو الحركة السياسية المسيطرة في تركيا منذ 13 سنة إلى محاسبة ذاتية. وقد صرح إردوغان بعد ظهور النتائج قائلا “رأي شعبنا فوق كل شيء آخر. أعتقد أن النتائج التي لا تتيح لأي حزب أن يشكل حكومة من حزب واحد ستقيم تقييما سليما وواقعيا من جانب كل حزب”.

فما هي السيناريوهات السياسية المحتملة لتشكيل حكومة تركية بعد هذه النتائج؟

السيناريو الأول: حكومة أقلية من حزب العدالة والتنمية

بموجب الدستور من حق اردوغان أن يطلب من رئيس حزب العدالة والتنمية الذي احتل الطليعة بحصوله على 40,8% من الاصوات و258 مقعدا من اصل مقاعد البرلمان الـ550، تشكيل حكومة جديدة. لكنها ستكون حكومة أقلية، ما يعني حكما منفردا وغير مستقر. ويبدو أن إردوغان نفسه استبعد هذه الفرضية عندما قال “إن النتائج الحالية لا تعطي الفرصة لأي حزب لتشكيل حكومة بمفرده”.

السيناريو الثاني: ائتلاف من ثلاثة أحزاب معارضة

نظريا يعتبر ذلك أمرا ممكنا، خاصة بين حزب الشعب الجمهوري (اشتراكي ديمقراطي) وحزب العمل القومي (يميني) حزب الشعب الديمقراطي (مناصر للاكراد- يساري) وهو ما يشكل غالبية من 292 نائبا. إلا أن احتمال التعايش بين القوميين والأكراد يبدو ضئيلا جدا – إن لم يكن مستحيلا- فحزب الشعب الديمقراطي القريب من حزب العمال الكردستاني يدعم عملية السلام بين الحكومة وزعيمه عبدالله اوجلان. لكن حزب العمل القومي يعتبر أوجلان “إرهابيا” ويدافع بشراسة عن وحدة تركيا.

السيناريو الثالث: تحالف بين العدالة والتنمية وأي حزب آخر

وهي الفرضية المرجحة من قبل قادة حزب العدالة والتنمية وكتاب افتتاحيات الصحف الذين يقولون أنه من المستحيل تشكيل ائتلاف دون حزب العدالة والتنمية.  والشريك المرجح لهذا التحالف هو حزب الحركة القومية اليميني.

السيناريو الرابع: انتخابات مبكرة

في حال فشل حزب العدالة والتنمية في تشكيل حكومة ائتلافية، باعتبارها خياره الأول، في غضون 45 يوما من تاريخ إعلان النتائج، يمكن لرئيس الدولة ان يحل “الجمعية الوطنية الكبرى” ويدعو الى انتخابات مبكرة بموجب الدستور.

وسواء عقد شراكة مع المعارضة القومية أو العلمانية فإنه سيتعين على حزب العدالة والتنمية الحاكم في تركيا أن يواجه العقبة نفسها خلال بحثه عن شريك في الائتلاف الحاكم ألا وهي طموح الرئيس رجب طيب اردوغان.

علينا إذًا أ ننتظر لنرى كيف سيتعامل إردوغان مع الوضع الجديد دون تعديل دستوري. والحقيقة أن النظام الرئاسي لا يعتبر – من حيث المبدأ – نظاما سيئًا وفرنسا مثال جيد على ذلك، لكنه يصبح مخيفا في المثال الروسي. كما أنه يجب أن لا ننسى أن إردوغان وحزب العدالة والتنمية لن يحكما إلى الأبد.

لكن في النهاية الذي حدث كان درسا قاسيا لكلاهما، المهم الآن هو كيف سيتعامل إردوغان مع الوضع السياسي الجديد؟ وهل سيصر على تنفيذ مخططاته مهما كلفه الأمر، أم أنه سيخلق مكنزمات جديدة للتكيف مع الوضع الجديد، في انتظار المباراة المقبلة التي يفترض فيه أن يفوز بها ذهابا وإيابا وبفارق كبير في الأهداف؟

خدمات الصفحة

تعليقات القراء