عام

فكر وثقافة

في الجزائر.. ربيع السلطة ضد الشعب !

في الجزائر.. ربيع السلطة ضد الشعب !

 

سدل الستار على الانتخابات التشريعية الجزائرية بحصول جبهة التحرير الوطني على أغلبية مقاعد البرلمان، حيث فاز الحزب بـ220 مقعدا من أصل 462 مقعدا، مقابل حصول “التجمع الوطني الديمقراطي” على 68 مقعدا، في حين تعرض الإسلاميون بمختلف أطيافهم إلى هزيمة كبيرة بعدما ظنوا أن ربيع الشعوب العربية سيقودهم بخطى ثابتة إلى قيادة البرلمان الجديد.

بلغت نسبة المشاركة في التصويت 44.38 بالمائة حسب الأرقام الرسمية التي أعلنتها وزارة الداخلية، وهو رقم أعلى بقليل من نسبة التصويت في تشريعيات 2007، حيث لم تتجاوز النسبة 36.5 بالمائة، رغم أن السلطة في الجزائر سخّرت كل الإمكانيات الدعائية والوسائل اللازمة لحث المواطنين على الانتخاب، حيث كان شبح المقاطعة تحديا تعتبر السلطة أنها نجحت في رفعه بحثّ قريب من نصف الناخبين على التصويت.

منذ اعتلاء الرئيس عبد العزيز بوتفليقة سدة الحكم، لم يُول اهتماما كبيرا للمجلس التشريعي بغرفته السفلى (البرلمان)، وهذا ما جعله يُصدر أغلب القوانين المهمة خارج الدورات التشريعية وبمراسيم رئاسية، ومن ذلك تعديل الدستور ليمنحه عهدة رئاسية ثالثة، لكن بعد ربيع الشعوب أُدرجت هذه الانتخابات التشريعية ضمن الأجندة الإصلاحية التي وعد بها الرئيس، ولم يتوان عن تشبيه هذه الانتخابات بإعلان أول نوفمبر 1954، تاريخ انطلاق الثورة الجزائرية، واعتبارها “وفاء للشهداء”، أو باستفتاء مارس 1962 الذي اختار فيه الغالبية العظمى من الجزائريين الاستقلال عن فرنسا.

نفس الأسلوب اتبعه قادة الحزبين الفائزين في التشريعيات: جبهة التحرير الوطني والتجمع الوطني الديمقراطي، وهما الحزبان اللذان تداولا على رئاسة الوزراء في عُهد بوتفليقة الثلاث، حيث ربطا – في صورة تبسيطية ساذجة – بين العزوف الانتخابي وبين التدخل الأجنبي العسكري أو العودة إلى مربع العنف والإرهاب الأعمى الذي شهدته الجزائر في التسعينيات من القرن المُنصرم. وهو ما أدى بعض المواطنين إلى التسارع للتصويت بحجة “إنقاذ الجزائر من الدسائس والمؤامرات الأجنبية التي تُحاك ضدها”.

لكنّ نتائج الانتخابات التي حملت شعار الإصلاح لم تُسفر عن نية جادة لدى النظام الجزائري في التغيير، فالرئيس الذي خطب يومين قبل الانتخابات قائلا إن جيله “انتهى عهده وآن له أن يُسلم المشعل إلى الشباب” أشار إلى انتمائه الحزبي “جبهة التحرير الوطني” بما أوحى للمنتخبين بأن خطة إنقاذ الجزائر لابد وأن تمر عبر تزكية الرئيس وتزكية حزبه، وهو ما يعني استمرار عهد الشيوخ الذين يحكمون بلدا أكثر من 70 بالمائة من سكانه شباب!

هزيمة الإسلاميين :

خاض الإسلاميون الحملة الانتخابية وهم يُمنّون أنفسهم بانتصار ساحق على مختلف القوى السياسية، وشجعهم على ذلك صعود نجم الإسلاميين في كل الانتخابات التي شهدتها الدول العربية تحت تأثير الربيع: في تونس ومصر والمغرب. ولهذا دخل أغلبهم المعترك الانتخابي في تكتل واحد أطلقوا عليه اسم “الجزائر الخضراء”، في حين فضّل آخرون المغامرة بأحزابهم الوليدة، على اعتبار أنها ستستفيد من قدر كبير من قواعد “الجزائر الخضراء” الناقمة على قياداتها. فالشيخ عبد الله جاب أسس “حزب العدالة والتنمية” ومنى نفسه باستقطاب قواعد حزبيه السابقين (حركة النهضة وحركة الإصلاح) إضافة إلى قواعد الجبهة الإسلامية للإنقاذ، في حين اعتبر عبد المجيد مناصرة في “جبهة التغيير” أنه الأجدى بتمثيل قواعد الشيخ الراحل محفوظ نحناح، الأب الروحي لإخوان الجزائر وزعيم حركة مجتمع السلم التي شهدت انشقاقات كبيرة منذ تولي أبو جرة سلطاني لها. كما حاول الجميع اللعب على وتر العاطفة الدينية واعتبار أن الناخبين الجزائريين سيمنحون أصواتهم لهم كما منحوها ذات عام 1991 للجبهة الإسلامية للإنقاذ التي فازت بالانتخابات التشريعية بأغلبية ساحقة “188 مقعدا”.

غير أن النتائج كانت أكبر من مخيبة للآمال. فالأصوات الـ48 التي فاز بها التكتل الإسلامي “الجزائر الخضراء” والأصوات الـ7 التي فاز بها حزب الشيخ عبد الله جاب الله والـ4 التي حازها حزب عبد المجيد مناصرة تعكس إلى حد كبير حجم التيار الإسلامي المسيّس الذي فقد بريقه وصنع الاستثناء في الربيع العربي.

ورغم أن زعماء هذا التيار تحدثوا – وسيتحدثون – عن التزوير، إلا أن ثمة معطيات مهمة تعكس حجم هذا التراجع الرهيب الذي شهدوه في تشريعيات 2012.

طلوع نجم الإسلاميين في تونس ومصر والمغرب كان مرتبطا أساسا بكونهم من أكبر ضحايا الأنظمة قبل الثورة، حيث توزعوا بين معتقل ومنفي (اختيارا أو اضطرارا) كما في الحالة التونسية، وبين مهمشين منبوذين يُحظر عليهم أي نشاط سياسي كما في الحالة المصرية، وبين أحزاب لم تحظ بالمشاركة في صنع القرار ولعبت دور المعارضة لنظام الحكم كما في الحالة المغربية. ولهذا كانت خارطة ما بعد الثورة – أو الإصلاحات – تقتضي أن يكونوا البديل الأفضل من حيث التنظيم ونَفَس التغيير من غيرهم.

أما في الجزائر، فالأحزاب الإسلامية عاشت على وقع “فصام مَرَضي” بين دورها كمعارضة وكموالاة تُشارك في الحكم. فنواة تكتل “الجزائر الخضراء” تتكون من حركة مجتمع السلم التي كانت الطرف الثالث في التحالف الرئاسي وشاركت بوزراء في الحكومات التي عينها الرئيس بوتفليقة، ولم تنفصل هذه الحركة عن التحالف الرئاسي إلا عشية الانتخابات التشريعية، وحافظت رغم ذلك على وزرائها في الحكومة!

وفيما يخص حركتي النهضة والإصلاح، فهما حزبان لهما منشأ واحد “حركة النهضة” التي ساندت ترشح الرئيس عبد العزيز بوتفليقة في انتخابات 1999 وأطاحت بزعيمها عبد الله جاب الله الذي أسس “حركة الإصلاح” التي شهد فيها حدوث الانقلاب الثاني عليه، قبل أن يُسمح له تحت غطاء الإصلاحات بتأسيس حزبه الثالث، وحظي الحزبان في الانتخابات التشريعية السابقة (2007) بنتائج هزيلة جدا. 

“عقد سياسي” جديد لتجنب الأسوأ

كان الرئيس بوتفليقة يراهن على مشاركة واسعة في هذه الانتخابات، وهو ما لم يحصل نسبيا حيث امتنع أكثر من نصف المواطنين عن التصويت، رغم أن وزارة الداخلية صورت هذه النسبة على أنها نجاح واعتبرت المصوتين أكثر وطنية من غيرهم! وكان حزب جبهة التحرير الوطني يُراهن على نتيجة إيجابية تضعه في المقدمة ليُرضي قواعده الغاضبة التي تعيش في كل منعطف على وقع حركة تصحيحية تريد نزع الحزب من أمينه العام عبد العزيز بلخادم، فحصل على أكثر مما كان يتوقعه. في حين بقي حزب التجمع الوطني الديمقراطي يُراوح مكانه، وقد حصل على أكثر مما حصل عليه جميع الإسلامين (68 مقعدا مقابل 59 لجميع الأحزاب الإسلامية).

في هذا السياق، ثمة أسئلة تدور في أذهان كثيرين: هل حصل هناك تزوير “ذكي” في هذه الانتخابات التي شهدت كل بعثات المراقبة العربية والدولية على مصداقيتها؟ في حين نددت اللجنة الوطنية لمراقبة الانتخابات بحصول تجاوزات وعدت بالكشف عنها في تقرير مفصل. كما أن فوز الأحزاب ذاتها التي تولت المناصب التنفيذية منذ فجر التعددية، بل وقبلها إذا نظرنا إلى الأسماء التي تُسير جبهة التحرير الوطني –وهي المسؤولة بشكل كبير عن الإخفاقات الاقتصادية وانتشار الأزمات الاجتماعية وتراجع حرية التعبير وانتشار الفساد – يمنح أكثر من مشروعية لسؤال التزوير.

والسؤال الثاني: هل ستؤدي هذه الانتخابات إلى بناء تغيير حقيقي يجعل الجزائر استثناء في موجة الربيع العربي، كما تحاول السلطة الجزائرية قوله، أم أنها بهذه النتائج الصادمة لأغلب المواطنين ستفتح بابا للتغيير ظنت السلطة أنها سدّته، كما حصل بعد انتخابات مصر البرلمانية؟

قد تتباين الأجوبة عن هذه الأسئلة، إلا أن ثمة مؤشرات تؤكد على أن نتائج التشريعيات تكشف مرة أخرى عدم جدية النظام الجزائري في الجنوح نحو الانتقال السلمي للسلطة، وذلك عبر إضفاء حالة “تيئيس” من نجاعة التغيير عبر اللعبة الديمقراطية التي تبدو مفصلة على مقاسه. فجيل الثورة هو الجيل الحاكم بعد 50 سنة من الاستقلال!

انتهى فصل آخر من فصول اللعبة السياسية في الجزائر.. فصل حمل عنوان “لا تغيير في الجزائر إلى إشعار آخر”، في حين ترتفع أكثر فأكثر أصواتٌ ناقمة، داخل البلد وخارجه، تطالب بالتغيير الجذري لسلطة تلعب على ورقة تَخوُّف المواطنين من أي حراك يُرجع البلد إلى مستنقع الإرهاب.. هذه الورقة التي قد يبطل مفعولها السحري ولن تصمد طويلا أمام موجات الربيع التي لا تستثني أحدا.

المصدر : اسلام اونلاين - من مقال للكاتب / مصطفى فرحات

خدمات الصفحة

تعليقات القراء