عام

فكر وثقافة

عن الإسلاميين .. حين يحكمون ؟!!

عن الإسلاميين .. حين يحكمون ؟!!

 

بقلم/ د.كمال المصري

ما زالت الأنباء تتوالى تبشر بانتصار جديد للإسلاميين، وها هي الكويت تنضوي تحت مظلة الدول العربية التي نجح فيها الإسلاميون، لتنضم إلى عقد أخواتها تونس والمغرب ومصر، وهو ما تحدثنا عنه من قبل في مقالنا "أيها الإسلاميون.. لا عذر لكم بعد اليوم" حول انتصار الإسلاميين المحتوم في أية انتخابات تجري في وطننا العربي، طالما كانت انتخابات نزيهة وحرة وديمقراطية.

كما أكد نجاح الإسلاميين في الكويت ما قررناه في مقالنا السابق ذكره، من أن الأمر ليس مرتبطاً بدول الربيع العربي، وإنما هو حالة تعم الوطن العربي كله، بل والإسلامي أيضاً.   

وما زالت تتداعى تكهنات الكتَّاب والمحللين بكافة اتجاهاتهم تتحدث حول أداء الإسلاميين في سدة الحكم كيف يكون، وماذا سيكون موقفهم في العديد من القضايا والإشكاليات التي تواجهها بلادهم.

وفي هذه الكلمات سأحاول وضع بعض التحديات الداخلية والخارجية التي يواجهها الإسلاميون حين يحكمون.

 

التحديات الداخلية :

الرخاء والعيش الرغيد هو أول التحديات التي تواجه الإسلاميين وهم في سدة الحكم؛ فبعد سنوات طويلة من حديث الإسلاميين في كافة المنابر عن رغد العيش في ظل الحياة بالإسلام، وعن قدرة هذا الدين على إيجاد الحلول لكل المسائل المستعصية في المجتمعات العربية، حان الوقت الآن لإثبات هذا بالفعل، ولم يعد لدى المواطن العربي عذر أو حجة تمنع ذلك.

والحق أنه رغم أن الإسلام كنظام - حين يتم تطبيقه كاملاً - قادر بالفعل على تحقيق الرخاء لمجتمعه، إلا أن سنن الله الكونية لم تجعل من يعتنقونه يحملون عصا سحرية يستطيعون بضربة واحدة منها تحقيق ذلك، ولا نتائج تطبيقه تسير بمنطق "كن فيكون"، وهذا ما يجعل أحلام المواطن العربي بالرخاء السريع كوابيس على الإسلاميين حين يحكمون، لأنهم بكل بساطة لن يستطيعوا حل كل مشاكل المجتمع في يوم وليلة، ولن يكون من السهل عليهم كذلك إقناع مجتمعاتهم بأن ما كانوا يرددونه عن الإسلام ورغد العيش يحتاج وقتاً وجهداً وصبراً ومعاناة.

حل مشاكل المجتمع الاقتصادية وأزماته المعيشية يحتاج وقتاً ومرحلية وتدرجاً على الإسلاميين أن يبدأوا باتخاذ الخطوات اللازمة لذلك من دون تأخير، لكن مدى قدرتهم على إقناع المواطن العربي بهذه المرحلية وذلك التدرج ومشاركته لهم بالصبر والعمل والبذل حتى يتحقق المراد، هذا هو التحدي الذي يواجهه الإسلاميون حين يحكمون.

الكرامة كلمة تؤرق المواطن العربي، وإن كان من وصف توصف به ثورات الربيع العربي، فإن أقرب ما توصف به، هو أنها ثورة الكرامة.

لذلك ستكون مسألة الكرامة تحدياً يواجه الإسلاميين حين يحكمون، كيف سيحافظون على كرامة المواطن؟ وكيف سيغيرون من عقلية وزارات الداخلية العربية التي تربت على مبدأ أن الضباط هم الأسياد والشعب هم العبيد؟ وكيف سيتعاملون مع الطبقية السائدة في المجتمعات العربية تبعاً للوضع الاقتصادي والتي تحط من كرامة الفقير وتهينه وتستعبده؟

لقد كفل الإسلام الكرامة للإنسان بكل جلاء، حين قال تعالى: "ولقد كرمنا بني آدم"، لذلك غدا وقف إهانة المواطنين بكافة أشكالها، وتنشئة الأجيال القادمة على الكرامة والعزة تحدياً لا مناص منه أمام الإسلاميين حين يحكمون.

الحرية كذلك مطلب رئيسيٌّ لا تنازل عنه لدى الشارع العربي، ومسائل المصادرة على الرأي والتضييق على المخالف بشتى الطرق الإنسانية واللاإنسانية التي اعتاد عليها الوطن العربي يجب أن تصبح من الماضي البائد مع الأنظمة التي بادت حين يتولى الإسلاميون سدة الحكم.

إن الإسلام قد دعا دوماً إلى الحرية، لذلك وجب على الإسلاميين أن يحققوها لشعوبهم، تلك الحرية التي لولاها لما وصل الإسلاميون إلى سدة الحكم، فهل سيقدِّرون ذلك، ويحصل المواطن العربي على حقه في الحرية حين يحكمون؟

لعل من أعقد المشكلات التي ستواجه الإسلاميين حين يحكمون مسألة الحلال والحرام في المجال الاقتصادي بالذات، فالمنظومة الاقتصادية المرتبطة بالمنظومة العالمية، وحال البنوك ومعاملاتها، وتشابك خيوط الوضع الاقتصادي تضع مسألة الحلال والحرام على المحك عند الإسلاميين وهم في سدة الحكم. كيف سيفهمون هذه المنظومة؟ وكيف سيستطيعون تحري الحلال منها من دون الإخلال بالمنظومة أو إلحاق الضرر بالمواطن؟ سيكون هذا بالتأكيد تحدياً للإسلاميين حين يحكمون.

 

التحديات الخارجية :

لعل من أهم التحديات الخارجية التي سيواجهها الإسلاميون - إن لم تكن الأهم - قضية فلسطين، قضية العرب والمسلمين الأولى على مر عقد كامل، وهي القضية التي كان الإسلاميون أكثر من يتبناها ويتفاعل معها، ولا تكاد تمر ذكرى من ذكرياتها - وما أكثرها - إلا وتجد للإسلاميين حولها موقفاً ومشهداً.

والآن وقد بات للإسلاميين يدٌ في صنع القرار وتوجيه دفة بلادهم، غدا لزاماً أن يكون لهم موقف يختلف عن مجرد إصدار بيان أو إحياء ذكرى أو حتى جمع تبرعات.

ويواجه إسلاميو مصر القدر الأكبر من متابعة الشارع العربي لهم تجاه هذا التحدي؛ نظرًا لأن مصر حدودها تحاذي حدود فلسطين، ولغزة ومعبرها المغلق منذ سنين بقرار النظام المصري السابق تاريخ طويل من المعاناة بسبب هذا التضييق المتعمد من مبارك المخلوع ونظامه الذي أسقطه الشعب.

فلسطين هذا الجرح النازف كما كانت دليلاً على حال الأمة وما أصابها من وهن وضعف، أصبحت تحدياً صعباً وعسيراً للإسلاميين حين يحكمون.

والشيء بالشيء يُذكر، لذلك فإن حركة المقاومة الإسلامية "حماس" تحدٍّ آخر للإسلاميين؛ فهذه الحركة الإسلامية الفلسطينية التي استعصت على كل محاولات "التهذيب" الصهيونية والأمريكية و"العباسية" - نسبة إلى محمود عباس والسلطة الفلسطينية - بالتأكيد ستكون قضية تحتاج من الإسلاميين نظراً ودراسة وموقفاً.

وتزداد صعوبة الأمر على الإسلاميين حين يجدون بين شعوبهم من يرفض الحركة ويتهمها بالعمالة، وهناك كذلك قواعدهم التي ترى في "حماس" نموذجَ مقاومة لا مثيل له، يضاف إلى كل ذلك ما تنتظره الحركة وقادتها ومؤيدوها من دعم لها متوقع من الإسلاميين الذين يحملون توجهها ذاته، ويتبنون قضيتها نفسها.

ويزيد الأمر تعقيداً ما يحدث في سوريا من أحداث جعلت موقف قادة "حماس" في حيرة من أمرهم، فلا هم قادرون على الوقوف مع بشار الأسد وهو يقتل شعبه رغم ما حباهم به من استضافة وما منحهم من تسهيلات، ولا باستطاعتهم الإعلان عن حق الشعب السوري في نيل حريته.

هذا كله جعل من المحتم على قادة الحركة البحث عن مأوى آخر، ومن غير الإسلاميين حين يحكمون يؤويهم ويستقبلهم ويفتح لهم يديه وقلبه وأرضه؟

وهنا يكون التحدي أمام الإسلاميين حين يحكمون.

أمريكا؛ أو "الشيطان الأكبر" كما يحلو لكثير من الإسلاميين تسميتها، تمثل تحدياً ثالثاً للإسلاميين.

والحقيقة أن أمريكا ذاتها ما زالت لا تملك خيوط اللعبة التي ستمارسها مع الإسلاميين حين يكونون في سدة الحكم، ولعل مواقفها المترددة والمتفاوتة والمتأخرة مع ثورات الربيع العربي ثم التصريحات "الليِّنة" التي تخطب ودَّ الإسلاميين وتوضح أن أمريكا لا تعارض فوز الإسلاميين ولا تخشاه، إضافة إلى زيارات ممثليها المكوكية للتيارات الإسلامية، لعل في كل ذلك ما يؤكد أن أمريكا ما زالت رؤيتها ضبابية تجاه الإسلاميين.

أما والحال هكذا مع أمريكا ذات الباع السياسي الطويل؛ فكيف يكون حال الإسلاميين إذاً؟ كيف سيتعاملون مع أمريكا أمام شعوبهم الرافضة في معظمها للهيمنة الأمريكية والتي ذاقت مرارتها سنوات طوال؟ وكيف سيديرون المسألة مع قواعدهم التي تملك حقداً متاصلاً على أمريكا أيًّا كان توجهها ديمقراطيًّا أم جمهوريًّا؟ ثم كيف سيتصرفون مع التواصلات الأمريكية المتتالية معهم؟

 

أمريكا.. عقبة كأداء أمام الإسلاميين حين يحكمون :

- العلاقات "العربية - العربية" و"العربية - الإسلامية" تمثل كذلك تحدياً أمام الإسلاميين، كيف سيتعاملون مع الأنظمة غير الإسلامية في البلاد العربية والإسلامية؟ وكيف سيتداولون مع الأنظمة القمعية والمستبدة وغير الديمقراطية منها؟ وكيف سيكون موقفهم حيال شعوب هذه البلاد، ولاسيما لو تعرضت هذه الشعوب لقمع وتقتيل وتعذيب؟

كل هذه تساؤلات كبيرة تواجه الإسلاميين وتقلق مضاجعهم بالتأكيد حين يحكمون.

إن التحديات الداخلية والخارجية أمام الإسلاميين حين يحكمون كثيرة وكبيرة، ولا نستطيع التطرق لها كلها هنا، فما زالت هناك داخليًّا مسائل العدالة الاجتماعية، وإنعاش الاقتصاد، ومنظومة الإعلام، والوضع الصحي، والزراعي، وقوانين العمل، وغيرها كثير.

وما زال هناك خارجيًّا قضايا وضع الدولة الأممي والإقليمي، والارتباط بمنظومة الاقتصاد العالمي بما فيها البورصة والبنوك المركزية واتفاقيات التجارة وما إلى ذلك، والعلاقة بالعهود والمواثيق الدولية المختلفة، ومثلها كثير.

ترقب الكثيرون لحظة وصول الإسلاميين لسدة الحكم، وقد وصلوا، وهي بلا شك لحظة فارقة، والشعوب الآن تنظر كيف يفعلون، يحسنون فيثبتون أن ما قالوه طوال سنوات كان حقًّا وصدقاً، أم يفشلون فتتجاوزهم اللحظة الزمنية ويسقطون مع أول انتخابات؟

الإجابة عند الإسلاميين وحدهم، ليقولوا لنا: ماذا سيفعل الإسلاميون حين يحكمون؟

خدمات الصفحة

تعليقات القراء