عام

فكر وثقافة

بين فلك السلطان.. والدعوة للتغيير.. والوقوف مع الثورة

السلفية اليمنية والثورة.. تباين المواقف وتعدد الرؤى

السلفية اليمنية والثورة.. تباين المواقف وتعدد الرؤى

إسلام أون لاين - اليمن :

لم تكد تختلف مواقف السلفية والسلفيين في اليمن، بكافة فصائلهم ومكوناتهم، طيلة السنوات والعقود الماضية، عن مواقف وأدبيات المدارس السلفية الفكرية، ومرجعيتها مركزياً في المنطقة والعالم الإسلامي ككل، بل لقد صارت التبعية في ذلك سمة غالبة على جملة مواقف وواقع السلفية في اليمن، رغم اختلاف البيئة المحلية عن واقع المرجع المركزي للجماعة، ومجريات الأحداث الدائرة في المنطقة والبلد، خاصة الذي يختلف معه الموقف الشرعي فضلاً عن الموقف السياسي في كل أحواله.

 

الثورة والموقف السلفي العام :

 مع هبوب رياح التغيير، وسقوط الدكتاتوريات في المنطقة، وتفجر الثورة في اليمن، عمد النظام الحاكم في اليمن إلى أن الاستنجاد بما يسمى "فقهاء السلطة" لنجدته، وقد سارع زعماء تيار السلفية التقليدية بالقول بحرمة التظاهر وعدم جواز الخروج على ولي الأمر .

وقد أذاع هذا القول، إبان تفجر الثورة في اليمن مطلع فبراير 2011م في تصريح صحفي له، أحد رموز السلفية التقليدية الشيخ أبو الحسن المأربي "مصري الجنسية " القائم على دار الحديث في محافظة مأرب شرق العاصمة صنعاء، ووافقه الشيخ يحيى الحجوري، القائم على مركز دماج بمحافظة صعدة شمال العاصمة صنعاء، والشيخ محمد الإمام، المقيم في منطقة معبر بمحافظة ذمار خارج صنعاء، والشيخ سعد النزيلي، أحد رموز السلفية التقليدية الذي برز خلال الثورة؛ وحظي مع غيره من الدعاة الذين أفردت لهم قنوات سلطة صالح العائلية حضورا طاغيا لوقوفهم في وجه الثورة، والدفاع عنه تحت دعاوى وجوب "طاعة ولي الأمر" وعدم جواز الخروج عليه.

وفي الوقت الذي زاد فيه توهج الثورة يوماً بعد يوم، ولم تبرح فيه جموع الشعب الساحات، فقد دفع لإخراج التيار السلفي الحركي والمؤسسي عن صمته بتأييده للتظاهرات السلمية، واعتبار ذلك أمراً بالمعروف، ونهياً عن المنكر، وكان أصدر في ذلك بياناً رسمياً باسم هيئة علماء اليمن.

ويضم هذا التيار في تركيبته ثلة من مشايخ وعلماء الحركة الإسلامية - التجمع اليمني للإصلاح - القائمين على جامعة الإيمان؛ ويأتي على رأسهم الشيخ عبد المجيد الزنداني رئيس هيئة علماء اليمن، والشيخ الدكتور عبد الوهاب الديلمي، والشيخ عارف الصبري، كذلك كل من علماء ودعاة جمعيتي الحكمة والإحسان السلفيتين، ومن هؤلاء نائب  رئيس هيئة علماء اليمن الشيخ الدكتور محمد بن موسى العامري، والشيخ مراد القدسي، والدكتورعقيل المقطري، والشيخ عبد الوهاب الحميقاني، وقد تمثل دور هؤلاء أول الأمر في إصدار بيانات التأييد لمطالب الشعب وتظاهراته تحت لافتة هيئة علماء اليمن، ثم انتهى بعد ذلك للنزول إلى الساحات والمشاركة في الثورة.

وبالنسبة لتيار السلفية الجهادية، فهو يعتبر نفسه سابقا الجميع في الثورة على الأنظمة، ومن قبل ذلك في مواجهتها والدخول معها في صراع مازال قائماً، ويتمثل هذا التيار بقاعدة الجهاد في جزيرة العرب، وقد شهدت السنوات الأخيرة حروب استنزاف بينه وبين النظام، وقد سيطر على بعض محافظات جنوب اليمن خلال الأشهر الماضية من أيام الثورة، وله حضوره في الساحات بحسب كلمة صوتية نشرت على الشبكة العنكبوتية، ويذكر أنصار هذا التيار والمتابعون له أن زعيمه - الذي قضى هذا العام بطيران أمريكي في أبوت أباد في باكستان- كان قد أيد الثورات في المنطقة قبل رحيله.

 

التكييف الفقهي السلفي :

وبالنسبة للتكييف الفقهي السلفي، فهو يختلف لدى السلفية في اليمن باختلاف مدارسها، بل وبين مشايخ وعلماء ودعاة كل مدرسة على حدة، فمثلا من هم داخل تيار المدرسة السلفية التقليدية والحركية، يختلفون فيما بينهم في توصيف مجريات الأحداث في المنطقة واليمن، من اعتبارها ثورة شعبية، وتوصيفها بالـ"فتنة" لدى البعض، وخروج على ولي الأمر لدى آخرين، وثمة من يعدها مؤامرة خارجية وعملا غربيا بحتا.

فمثلا يرى الشيخ أبو الحسن المأربي، القائم على دار الحديث بمحافظة مأرب أنها " فتنة"، وذكر في سياق حوار صحافي له "أن النصوص التي تتحدث عن الخليفة الأعظم يُع�'مل بها مع كل خليفة في سلطانه، وفي حدود دولته، وأفتى العلماء بضرورة السمع والطاعة لكل أمير في سلطانه" ومثله كذلك موقف زعيم الجماعة السلفية التقليدية في اليمن الشيخ يحيى الحجوري خليفة الشيخ الراحل مقبل بن هادي الوادعي الذي اعتبر التظاهرات خروجاً عن ولي الأمر، وذكر في مقالة له نشرها موقعه الرسمي" أقول - وهذه حقيقة - لا يتمنى زوال الرئيس علي عبد الله صالح عن منصبه في هذه الفتنة إلا أحد ثلاثة عميل على البلاد مدفوع، أو صاحب فكر منحرف، أو صاحب مطمع دنيوي" .

 

فلك السلطان :

وكنتيجة طبيعية لموقف تيار السلفية التقليدية من واقع ومجريات الأحداث جنباً إلى جنب مع الحاكم "ولي الأمر" بحسبهم، وعلى إثره وجهت لهم الاتهامات بإصدار الفتاوى السياسية لدعمه، تحدث الشيخ عبد الله بن غالب الحميري، أحد رموز وقادة العمل السلفي الحركي المؤسسي بقوله "لا شك في أن هناك فصيلاً من السلفيين سمتهم التعجل في إصدار الأحكام مع الجهل بالواقع والحال الذي تن�'زل عليه، وتجهل تحقيق المناط فيها، ومن ذلك فتوى التحريم المطلق للمظاهرات، واعتبارها خروجاً على الحاكم، وقد جر�'ت هذه الفتوى إلى المصادمة مع جمهور الشارع وسخطهم على الدعاة السلفيين" .

ويبين الشيخ الدكتور عقيل المقطري رئيس المجلس العلمي بجمعية الحكمة إحدى مؤسسات العمل السلفي الحركي، مفهوم طاعة "ولي الأمر" بقوله "الطاعة تكون بالمعروف وولي الأمر بينه وبين شعبه عقد يجب عليه أن يوفي به ؛ فإذا أخل بهذا العقد ـ فبحسب القوانين والتشريعات التي تنظم ذلك والتي بمقتضاها إن لم يتم ذلك ـ ينفسخ العقد وتسقط شرعيته، وتبقى قضية تنحيته خاضعة للمصلحة والمفسدة، ولا يصح لأحد أن يقول، بل يبقى طيلة عمره.

ومن جهة أخرى، يتحدث الشيخ عارف الصبري نائب رئيس جامعة الإيمان، وعضو برلماني في مجلس النواب اليمني،  بقوله "والملاحظ في معظم الحكام في عصرنا الحاضر أنهم فاقدون للشرعية، ابتداءً ودواماً وانتهاء، فالأنظمة الحاكمة اليوم في بلادنا العربية لا تمثل الشعب، لأنها إما أنظمة ملكية وراثية مستبدة أو أنظمة جاءت عن طريق القوة والانقلابات المسلحة، أو جاءت عن طريق انتخابات صورية مزورة، وبذلك فهذه الأنظمة لا تمثل الأمة، ولا رضى للشعب في اختيارها".

ويوضح الشيخ الدكتور محمد بن موسى العامري أحد المراجع السلفية في اليمن موطن العلاقة بين الحكام والمحكومين، بقوله " حينما ننظر إلى العلاقة بين الحاكم وشعبه من منظور شرعي تأصيلي، ونقارن بين ذلك وبين ما يجري في كثير من الشعوب العربية، وما بينها وبين حكامها من القطيعة والبغضاء، بكل تأكيد سوف نستنتج أن وظيفة الحاكم اليوم قد خرجت عن مسارها الشرعي، ومن الطبيعي أن تحصل هذه الفجوة بين الشعوب والحكام، نظراً لغياب وضياع الحكم الرشيد في الأمة".

ويتبين مما سبق، أن رأي المدرسة التقليدية السلفية، في الغالب، لا يخرج في مجمله عن الدوران في فلك طاعة ولي الأمر، وتنزيل النصوص في غير محلها، وفق ما رد به قادة العمل المؤسسي السلفي الذين تجاوزوا هذه الطريقة في الفهم وفقه تنزيل الأحكام .

 

فقه مراجعة ... ودعوة للتغيير :

وفي الوقت الذي خرج به تيار السلفية التقليدية، بتجييره الموقف الشرعي لصالح الحاكم والأنظمة،  فقد اتخذ تيار السلفية الحركية لنفسه خطاً فاصلاً مختلفاً بين الحاكم والثورة أول الأمر، ودعا في بياناته وتصريحات قيادته إلى التغيير، وعقد مؤتمراً صحافياً وندوة فكرية حول الإصلاحات السياسية.

وحول موقفهم مما يجري أعلن الشيخ الدكتور محمد بن محمد المهدي أحد قيادات ومراجع السلفية الحركية، بقوله في سؤال له عن موقفه من الثورات "أنا مع التغيير إلى الأحسن بالطرق الشرعية، والجميع متفقون على التغيير وإصلاح الفساد ولا يستطيع أحد أن ينكر الفساد العقدي والأخلاقي والمالي والإداري وفي القضاء وغيرها من المجالات، وفي الوقت الذي أفصح به الدكتور المهدي عن رغبته في ضرورة التغيير ودعوتهم إليه لكنه مع ذلك استدرك وعلق موقفه من موجبات تنزيله والقيام به في أرض الواقع، بقوله " لكن الذي نختلف فيه : ما هي الطريقة الشرعية للتغيير؟ هل سنغير المنكر بمنكر أكبر منه أو مثله؟." ولعله بهذا الاستدراك يشير إلى عدم اقتناعه بجدوى الثورات وما تؤول إليه.

ولكن مع تطور مجريات الأحداث وتسارعها في اليمن، تحول موقف التيار السلفي الحركي شيئاً فشيئاً من موقع خط المنتصف بين الحاكم والثورة إلى الوقوف ضمناً وجنباً إلى جنب مع الحاكم صراحة من بعض القيادات، ومع الثورة في الجهة المقابلة، فقد أفرزت هذه المواقف والتطورات إلى تشكيل هيئات وتكتلات جديدة على الساحة السلفية في اليمن، وأعلن عن الائتلاف السلفي اليمني وهو الحاضن واللافتة الجامعة للمؤسسات الدعوية للسلفيين ويعتبر التيار الذي يتحفظ على موقفه من الثورة، ويميل بعض قادته إلى الانتصار للحاكم وولي الأمر في خط مغاير للقيادات والرموز السلفية ذات الأغلبية والقاعدة الشبابية التي باركت الثورة، وشكلت عدة هيئات وحركات سلفية ثورية في الساحات تحت لافتة "رابطة شباب النهضة والتغيير" ويضم عدة ائتلافات ثورية في عموم محافظات وميادين التغيير في اليمن .

 

مع الثورة وفي الساحات :

ومع وقع حدث الثورة، كان الشباب السلفي ينتظرون من مشايخهم موقفاً يعلنون فيه خيارهم مع الثورة، ووقوفهم مع الحق ونصرة المظلوم، وأن يلتحقوا في مقدمة الركب بساحات الاعتصام، ولكن مع ذلك لم يكن هؤلاء المشايخ قد استوعبوا الأمر، وفوجئ الشباب ببعض مشايخهم يخرج بخطاب انهزامي ضعيف، وبطرح ٍ ينتصر للظالم على المظلوم والجلاد على الضحية، على النقيض للثورة الشعبية التي سقط فيها المئات من الشهداء.

وحين رأى الشباب السلفي اليمني ذلك، تركوا مشايخهم وبادروا في تشكيل أنفسهم في جماعات وحركات لإبراز مشاركتهم في الثورة اليمنية، فقد نشأت في صنعاء مثلا عدة تجمعات سلفية ائتلفت فيما بعد تحت شعار (ائتلاف شباب التغيير الرائد) ولها العديد من الأنشطة والفعاليات المنفردة والمشتركة مع بقية الحركات والائتلافات الشبابية في ساحة التغيير بصنعاء، ويصل عدد المشاركين من السلفيين في فعاليات الائتلاف داخل المعتصم في بعض الأنشطة إلى قرابة الخمسمائة شاب.

كما نشأت في جميع المدن الرئيسية اليمنية، في عدن مثلاً (حركة شباب النهضة للتغيير السلمي) وفي الحديدة هناك (حركة شباب النهضة والتجديد) وفي تعز (حركة العدالة) وفي إب (حركة الحرية والبناء) وفي حضرموت أعلن مؤخراً عن (الائتلاف السلفي للتغيير) وهناك تجمعات أخرى كثيرة للسلفيين في أماكن ومدن أخرى كثيرة، شارك فيها الشباب السلفي بالآلاف في ساحات الاعتصام كأفراد من الشعب اليمني المتطلع للحرية.

 

طبيعة الخلاف :

ويعود سبب الخلاف والانقسام السلفي، بحسب الشيخ الخضر بن عبد الملك الشيباني، أحد القيادات العلمية والسلفية الحركية، ورئيس مركز الكلمة الطيبة للدراسات والبحوث في صنعاء، "إلى وجود حراك فكري وثورة سلفية داخلية، فتحت آفاقاً غير مسبوقة في النقاش والجدل العلمي والبحث، وأظهرت مواقف واجتهادات علمية وفقهية لم تكن معلنة أو لم يرفع بها الصوت من قبل، تقديراً لقاعدة المصالح والمفاسد؛ لكنها أصبحت اليوم بارزة واضحة بأسماء وجهات محددة ".

وبدوره يوضح الشيخ الشاب والباحث فيصل العشاري – ممثل لحركة الحرية والبناء السلفية – إلى أن ظاهرة الانقسام داخل الجماعة السلفية ليس وليد الصدفة بل هناك عوامل وأسباب ومؤثرات، ومن ذلك طريقتهم في التعاطي مع النصوص الشرعية، خصوصاً ما يتعلق بالعلاقة بين الحاكم والمحكوم، وهذا ينسحب على الطريقة والمعالجة الفقهية في مراحلها الثلاث وهي ثبوت النص، وفقه النص، وتنزيل حكم النص، وقضية ولي الأمر هي أكبر مثال على ذلك في إسقاط الشرعية وخلعها ونزعها عن الحاكم، وهو الأمر الذي تشتت بسببه موقف السلفيين فكرياً حيال الثورة بين داعم للثورة، وواقف ضدها، ومحايد "معتزل"، والحال كذلك كما ذكرنا في ضرورة اتباع الطريقة في المعالجة الفقهية. 

ويرجع الكاتب والباحث اليمني كمال الحارثي إلى "أن الاختلاف السلفي حول الثورات ناتج عن أسباب كثيرة، لا تتعلق بالاجتهاد، وإنما بطبيعة المنهج المنقسم على نفسه وأدوات تقريره التي تنسحب بدورها على رؤية أطيافه تجاه القضية الواحدة، ويستدل على هذا بالموقف من الثورة، والمؤيد لها ومناصرتها الذي يفصح في نفس المقام عن أن الرؤية السلفية باستطاعتها الحكم على الأشياء من واقع فهمها، وعملية إسقاط النصوص بطريقة واعية وليس وراثية .

ويلاحظ أن كافة الجماعات والحركات الإسلامية والأحزاب، وكافة التشكيلات والتنظيمات في اليمن، لم تختلف في موقفها من الثورة، كما جرى مع السلفية، ولم يكن ثمة تعدد في المواقف والآراء، مثل ما هو حاصل لدى قيادات ومراجع السلفية في اليمن .

خدمات الصفحة

تعليقات القراء