عام

فكر وثقافة

فقه الخلاف أم فقه الائتلاف؟

فقه الخلاف أم فقه الائتلاف؟

 

بقلم الدكتور / سلمان العودة

يظل حديثنا عن الخلاف وأدبياته حديثاً نظرياً جميلاً، لكن التجربة بممارسته على أرض الواقع هي التي تكشف عن (لياقتنا) وقدرتنا على (توظيف) الخلاف للمصلحة العامة، كما تكشف عن قدر حاجتنا للحديث عن فقه الائتلاف أم فقه الخلاف.

 وحين تكون أنفسنا مستعدة – في بعض الأحوال والظروف – لقبول الحديث عن الخلاف بصفته فرصة لـ(التنوع)، وسبيلاً لـ (التوسعة)، وأمراً (واقعياً) لا مندوحة عنه، وامتحاناً لاختبار القدرات واللياقات، فلا شك أن أنفسنا ستكون على أهبة الاستعداد (دائماً) لقبول الحديث عن (الائتلاف) بصفته موطن جمع، ومركز قوة، ومصدر فأل، وحين يكون الحديث عن (الخلاف) بصفته ظاهرة صحية، وحين نسوّغ له بعبارات (التفاؤل)، فلعل من المناسب أن نأخذ درساً (عملياً) في الخلاف لنكتشف مبكرين نوع تعاملنا مع هذا الخلاف، وقبولنا للرأي الآخر، وذلك عبر النقاط التالية: 
 أولاً: المصطلحات لها أثرها على الواقع، وإذا كان مصطلح (الخلاف) تنقبض له النفوس نوعاً ما، وتحسّ معه بشيء من الفتور والتباعد، فإن مصطلح (الائتلاف) سائغ شرابه، وتبتهج به الأنفس، وتهشّ له القلوب، لا سيما في زمن الحوار للتقارب والتآلف وتوحيد الكلمة وجمع القوى.
 ثانياً: يُخيّل إليّ أن ثمة أحاديث عن الخلاف (متفائلة)، وأنا أرى هذا التفاؤل مشوباً بالحذر، فمع ما في الخلاف من تنوّع وإثراء، وتوسعة، وواقعيّة، ففي الخلاف كذلك تضادّ، وفرقة، وضعف، وتفكّك، وتلك تقوى وتضعف بحسب طبيعة المتخالفين وقدراتهم على ضبط مسار الخلاف وقبول المخالِف.
 ثالثاً: وقد نتجاوز – أحياناً – في عرض آيات الخلاف، فنستدلّ بجزء ونترك الأجزاء الأخرى، وقد نركز على (المدح)، ونتغافل عن (القد ح) في الخلاف.
 وإذا كانت (آية هود) من أبرز الآيات التي يُستدلّ بها على (تسويغ) الخلاف، وهي قوله تعالى: (وَلَوْ شَاء رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلاَ يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ * إِلاَّ مَن رَّحِمَ رَبُّكَ وَلِذَلِكَ خَلَقَهُمْ). [هود: 118 -119]. 
 فقد جاء فيها أقوال أهل العلم التالية:
 أ) قال سعيد بن جبير: (أمة واحدة): على ملة الإسلام وحدها.. {تفسير القرطبي9/ 114}.
 ب) قال عطاء: (ولا يزالون مختلفين): يعني اليهود والنصارى والمجوس (إلاّ من رحم ربك) يعني: الحنفية {تفسير ابن كثير: 4/291}.
 ج) قال قتادة: أهل رحمة الله أهل الجماعة، وإن تفرقت ديارهم وأبدانهم، وأهل معصيته أهل فرقة وإن اجتمعت ديارهم وأبدانهم. {تفسير ابن كثير: 4/291}.
 د) قال الحسن البصري: الناس مختلفون على أديان شتى (إلاّ من رحم ربك) فمن رحم ربك غير مختلف، قيل له: فلذلك خلقهم، خلق هؤلاء لجنته، وخلق هؤلاء لناره، وخلق هؤلاء لرحمته، وخلق هؤلاء لعذابه. {تفسير ابن كثير: 4/291}.
 هـ) اختصم رجلان إلى (طاووس) فقال لهما: اختلفتما فأكثرتما، فقال أحد الرجلين: لذلك خلقنا، فقال طاووس: كذبت، فقال: أليس الله يقول: ( وَلاَ يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ * إِلاَّ مَن رَّحِمَ رَبُّكَ وَلِذَلِكَ خَلَقَهُمْ) قال: لم يخلقهم ليختلفوا، ولكن خلقهم للجماعة والرحمة، كما قال الحكم بن أبان عن عكرمة عن ابن عباس قال: للرحمة خلقهم ولم يخلقهم للعذاب. {تفسير ابن كثير: 4/291}.
 وهكذا تتجه أقوال أهل العلم إلى ذم الاختلاف، ومدح الاجتماع، في هذه الآية التي كثيراً ما يُستدلّ بها على تطبيع الخلاف. 
 
 رابعاً: وثمة آيات أخرى في القرآن العزيز تُثرّب على الاختلاف، وتذم المختلفين (إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُواْ دِينَهُمْ وَكَانُواْ شِيَعًا لَّسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ) [الأنعام:159].
 (قُلْ هُوَ الْقَادِرُ عَلَى أَن يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذَابًا مِّن فَوْقِكُمْ أَوْ مِن تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ أَوْ يَلْبِسَكُمْ شِيَعاً وَيُذِيقَ بَعْضَكُم بَأْسَ بَعْضٍ انظُرْ كَيْفَ نُصَرِّفُ الآيَاتِ لَعَلَّهُمْ يَفْقَهُونَ). [الأنعام:65]. (وَلاَ تَكُونُواْ كَالَّذِينَ تَفَرَّقُواْ وَاخْتَلَفُواْ مِن بَعْدِ مَا جَاءهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَأُوْلَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ). [آل عمران:105]. 
 وآيات أخرى تمدح الجماعة والوحدة ( إِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاعْبُدُونِ ). [الأنبياء:92]. (وَاعْتَصِمُواْ بِحَبْلِ اللّهِ جَمِيعًا وَلاَ تَفَرَّقُواْ وَاذْكُرُواْ نِعْمَةَ اللّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنتُمْ أَعْدَاء فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُم بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا). [آل عمران:103].
 وغير ذلك كثير وفي نصوص السنة والسيرة أشياء كثيرة، ليس هذا موطن عرضها.
 خامساً: من الخطأ – في نظري – أن نطبع ونؤسس ونسوّغ لفقه الخلاف أكثر من تسويقنا وتسويغنا لفقه الائتلاف، فدوائر الاتفاق والائتلاف أكثر، وهي تسير في اتجاه (البناء) وتراصّ الصفوف واجتماع الكلمة، بعكس (الخلاف)، فمهما قلنا من إيجابياته تظلّ سلبياته أكثر، وآثاره في الحاضر وتفاعلاته في المستقبلأشد خطورة وانشطاراً، ليس بين أصحاب المذاهب والملل المختلفة، بل بين أصحاب المذهب والجماعة الواحدة.
 وحديثنا عن (الائتلاف) لا يعني بحال إهمال الحديث عن (الخلاف)، لكن نبدأ (بالأصل) ونتبعه بـ(الفرع)؛ فالاتفاق والائتلاف أصل، والفرقة والخلاف والاختلاف (استثناء)، ولذا علق القرطبي على آية هود (السابقة) بقوله: (إلاّ من رحم ربك) استثناء منقطع، أي لكن من رحم ربك بالإيمان والهدى فإنه لم يختلف. {تفسير القرطبي:9: 114}.
 
 سادساً: من حق (الناصحين) أن يتنادوا ويتطارحوا قضايا (الخلاف) بهدف تضييق هوّته، والتخفيف من آثاره، وإشاعة ثقافة الحوار، وتوسيع الآفاق، ومعرفة القيم العالية للمختلفين، والإعذار ما يسوّغ الخلاف فيه، ويتسع له الدليل الصحيح.
 ومن حق (المصلحين) كذلك أن يتنادوا ويتطارحوا قضايا (الائتلاف) ودوائر (الاتفاق) لتعظيمها، والتأكيد عليها، واستخراج برامج عملية مشتركة منها، والشعور الواعي بفقه المرحلة، فيدعون لمزيد من الألفة والتعاون والتقارب والتآلف، لا سيما في زمن (العولمة) و (التكتلات) العالمية، وتجاوز (الاختلافات) وتوحيد (الكيانات). 
 وإذا نجح الغرب أو الشرق في بناء مصالحه (الاقتصادية) و (السياسية) عن طريق (العولمة)، وتعزيز (الاتحادات)، وبناء (المنظمات) وضمّ الكيانات، فأولى بالمسلمين – فضلاً عن أهل السنة والجماعة منهم– أن يستشعروا قيمة الوحدة، وآثار الائتلاف عليهم حاضراً وحاجتهم إليه مستقبلاً.
 سابعاً: ولا بد من التنبّه إلى أن الاستغراق في الحديث عن (الخلاف) ربما كان سبباً للتمرّد، والاستقلالية، والشعور بعدم الحرج من الاختلاف –في كل قضية– وسنتجاوز ذلك متمكنين – في أدب الخلاف – واعين لمدار الخلاف، إلى فئة ستعشق الخلاف بعيداً عن آدابه، وستطرح بين الفينة والأخرى رُؤى فيها من روائح الفرقة وأسباب الاختلاف ما لا يسوغه دليل، ولا يسير في اتجاه البناء، بل في مسيرة الفرقة والتناحر.
 وبناءً عليه سنشغل الأمة بمعارك جانبية فيها هدر للطاقات، وفرصة للعدو في مزيد من الضربات، وتفريقالمجتمعات، وحين تبدو هذه الأيام – بعض مظاهره – فإن المستقبل – والله أعلم – سيشهد ألواناً من ذلك، علاجها – في نظري – التأكيد على فقه الائتلاف أكثر من التأكيد على تطبيع الخلاف.
 ثامناً: إذا اعترفنا أن الخلاف (ضعف) من داخلنا، ولا سيما المؤدي منه إلى النفرة والوحشة، والتفرقة، فثمة (إضعاف) من خارجنا، تتصدره جهات مغرضة، وتتقصده بغير (عدل)، وتتجاوز به (الهجوم) على الأشخاص إلى (القيم والميراث)، وتريد منه ضرب العلماء بعضهم ببعض، فمؤسسات عالمية كــ (راند) تُعنى بدراسة هذه الظاهرة، وتستكتب وتصنف العلماء – بغير حق – وربما ضربت بعضهم ببعض.. وهذهتزيد في الشقة وتوسّع الخلاف.
 وثمة هجوم في وسائل الإعلام يتنقّص من أهل العلم، ويرمي (السنة) وأهلها بما هم منه براء..
 وهذه وتلك تحتاج منّا إلى التفاتة واعية، ومدافعة جماعية، لا تنتصر – بغير وجه حق – ولا تتعصب بغير هدى، لكنها تدرك أن الهجوم على أحد أفراد المنهج الحق هو هجوم على (المنهج) كله، واليوم تتقصد (عيناً)، وغداً (أخرى)، وهكذا حتى تصل إلى المجموعة، ويصبح حالنا في النهاية:
 (أُكلت يوم أُكل الثور الأبيض) !!

* عن موقع الاسلام اليوم

خدمات الصفحة

تعليقات القراء